التعليم في الأردن
هل يودّع "الشامل" المشهد الأكاديمي؟ قراءة في تحوّلات التعليم الجامعي في الأردن
في لحظة مفصلية من مسيرة التعليم العالي في الأردن، يعود امتحان الشهادة الجامعية المتوسطة "الشامل" إلى دائرة النقاش من جديد، لكن هذه المرة ليس من باب تطويره؛ بل من زاوية أعمق تتعلّق بإمكانية إلغائه واستبداله ببدائل أكثر انسجامًا مع متطلبات العصر وسوق العمل.
فقد كشف مستشار وزير التعليم العالي ومدير وحدة تنسيق القبول الموحد: (مهند الخطيب) أن الوزارة تدرس حاليًا إلغاء الامتحان الشامل، معتبرًا أن فلسفته الأولى عند تأسيس جامعة البلقاء التطبيقية وكليات المجتمع لم تعد تتوافق مع الواقع الأكاديمي الحالي، ولا مع طبيعة البرامج المطروحة اليوم في مؤسسات التعليم العالي.
من فلسفة التقييم إلى إشكالية التطبيق
عند إطلاق "الشامل" قبل سنوات؛ كان الهدف منه توحيد معايير التقييم وضمان جودة مخرجات التعليم المتوسط، ومنح الطلبة شهادة تعكس مستوى معرفتهم ومهاراتهم بشكل عادل، إلا أن التجربة العملية كشفت مع مرور الوقت أن هذا الامتحان بات عبئًا نفسيًا وأكاديميًا على الطلبة، واختُزلت سنوات من الدراسة في اختبار واحد، قد لا يعكس دائمًا الأداء الحقيقي للطالب.
كما أشار الخطيب إلى أن هذا النموذج لا يُطبّق إلا في عدد محدود جدًا من دول العالم، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى ملاءمته لمنظومة تعليمية تسعى للانفتاح على التجارب العالمية وتبَنّي أفضل الممارسات الحديثة.
الإلغاء لا يعني نهاية "التجسير"
من المخاوف التي رافقت الحديث عن إلغاء "الشامل" احتمال تأثر مسار التجسير في الأردن، الذي يتيح لطلبة الدبلوم استكمال دراستهم الجامعية؛ إلا أن وزارة التعليم العالي أكدت بوضوح أن التجسير سيبقى قائمًا، مع العمل على تطوير آلياته ليكون أكثر عدالة ومرونة، وأقرب إلى احتياجات الطلبة الفعلية.
وهذا التوضيح يحمل رسالة طمأنة مهمة للآلاف من الطلبة الذين يرون في التجسير بوابة أساسية لتحسين فرصهم الأكاديمية والمهنية.
بدائل قيد الدراسة.. والعدالة أولًا
في المقابل تعمل الوزارة على دراسة مجموعة من البدائل، من أبرزها اعتماد المعدل التراكمي للطالب في الكلية كأساس للقبول في الدراسات العليا، دون إخضاعه لامتحان موحد، وهذا الخيار مستوحى من تجارب دولية ناجحة، لكنه لا يخلو من تحديات، خاصة فيما يتعلق بإمكانية تضخيم معدلات الطلبة بين مؤسسة وأخرى.
ومن هنا تؤكد الوزارة أن أي قرار سيتم اتخاذه سيكون مبنيًا على رؤية متكاملة، توازن بين المرونة الأكاديمية وضمان النزاهة والعدالة في التقييم.
نحو تعليم يرتكز على المهارة لا الحفظ
اللافت في الطرح الرسمي هو التركيز المتزايد على المهارات العملية بدل الاكتفاء بالاختبارات النظرية المكثفة؛ فالعالم اليوم يتجه نحو قياس الكفاءة الحقيقية للطالب: بمعنى ماذا يستطيع أن ينجز؟ وكيف يحل المشكلات؟ وكيف يواكب متطلبات سوق العمل؟
وفي هذا السياق يبرز الدور المحوري الذي تؤديه جامعة البلقاء التطبيقية في دعم التعليم التقني والمهني، باعتبارها الجهة المشرفة تاريخيًا على امتحان "الشامل" والمسؤولة عن تطوير التعليم التطبيقي في المملكة.
ما بين القرار والتحدي.. فرصة لإعادة البناء
إن الحديث عن إلغاء "الشامل" لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد إجراء إداري؛ بل هو مؤشر على تحوّل أعمق في فلسفة التعليم العالي، من نظام يركّز على الامتحان إلى منظومة تقوم على التقييم المستمر وبناء المهارات.
غير أن نجاح هذا التحول يتطلب شراكة حقيقية بين الوزارة والجامعات والطلبة، إضافة إلى شفافية في القرارات، وحوار مفتوح حول آليات التطبيق، حتى لا يتحول التغيير إلى عبء جديد بدل أن يكون فرصة للتطوير.
المعرفة حق.. والوعي طريق الاختيار
في ظل هذه التحولات تزداد أهمية أن يكون الطالب على اطّلاع دائم بكل ما يستجد في الساحة التعليمية، وأن يمتلك أدوات التحليل والاختيار الواعي لمساره الأكاديمي؛ فالمعلومة الدقيقة اليوم قد تصنع فارقًا كبيرًا في مستقبل الغد.
ومن هنا تبرز قيمة المنصات المعرفية المتخصصة التي تواكب هذه التطورات بهدوء وموضوعية، مثل منصة أستاذي Ostathi التي تقدّم للطلبة وأولياء الأمور محتوى تحليليًا يساعدهم على فهم المشهد التعليمي واتخاذ قراراتهم بثقة، بعيدًا عن الشائعات والقراءات السطحية.
خاتمة:
يبقى قرار إلغاء امتحان "الشامل" -إن تمّ- محطة مفصلية في مسار التعليم العالي الأردني، وفرصة لإعادة صياغة مفهوم التقييم والعدالة الأكاديمية بما ينسجم مع روح العصر، وبين التحديات والآمال يظل الرهان الحقيقي على وعي الطلبة، وجاهزية المؤسسات، وقدرتها على تحويل التغيير إلى قصة نجاح جديدة في سجل التعليم الوطني.
رابط الموضوع: طلبة نيوز الإخبارية | وزارة التعليم العالي تدرس إلغاء امتحان "الشامل" ووضع بدائل له